علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

185

ثمرات الأوراق

أيّ العرب ؟ فقلت : من ولد المطّلب ، قال : من ولد من ؟ قلت : من ولد شافع ، قال : رأيت مالك ؟ - هكذا وقعت اللّفظة - قلت : من عنده أتيت ، قال لي : نظرت في الموطّأ ؟ قلت : أتيت على حفظه . فعظم ذلك عليه ، ودعا بدواة وبياض ، وكتب مسألة في الطّهارة ومسألة في الزّكاة ، ومسألة في البيوع والفرائض والرّهان والحجّ والإيلاء ، ومن كلّ باب في الفقه مسألة ، وجعل بين كلّ مسألتين بياضا ، ودفع إليّ الدّرج « 1 » ، وقال : أجب عن هذه المسائل كلّها من الموطّأ . قال الشّافعي رضي اللّه عنه : فأجبت بنصّ كتاب اللّه وبسنّة نبيّه عليه السّلام وإجماع المسلمين في المسائل كلّها ، ثمّ دفعت إليه الدّرج فتأمّله ، ونظر فيه ، ثم قال لعبده : خذ سيّدك إليك . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : ثمّ سألني النّهوض مع العبد ؛ فنهضت غير ممتنع . فلمّا صرت إلى الباب ، قال لي العبد : إنّ سيّدي أمرني ألّا تصير إلى المنزل إلّا راكبا . قال الشّافعيّ رضي اللّه عنه : فقلت له : قدّم ، فقدّم إليّ بغلة بسرج محلّى ، فلمّا علوت على ظهرها رأيت نفسي بأطمار رثّة ، فطاف بي أزقّة الكوفة إلى منزل محمّد بن الحسن ، فرأيت أبوابا ودهاليز منقوشة بالذّهب والفضّة ، فذكرت ضيق أهل الحجاز وما هم فيه ، فبكيت ، وقلت : أهل العراق ينقشون سقوفهم بالذّهب والفضّة ، وأهل الحجاز يأكلون القديد ، ويمصّون النّوى ! ثم أقبل عليّ محمد بن الحسن وأنا في بكائي ، فقال : لا يرعك يا عبد اللّه ما رأيت فما هو إلّا من حقيقة حلال ومكتسب ، وما يطالبني اللّه فيها بفرض ، وإنّي أخرج زكاتها في كلّ عام فأسرّ بها الصّديق ، وأكبت بها العدوّ . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فما بتّ حتى كساني محمد بن الحسن خلعة بألف درهم ثم دخل خزانته فأخرج إليّ الكتاب الأوسط تأليف الإمام أبي حنيفة ، فنظرت في أوّله وفي آخره ، ثم ابتدأت الكتاب في ليلتي أتحفّظه ، فما أصبحت إلّا وقد حفظته ، ومحمد بن الحسن لا يعلم بشيء من ذلك - وكان المشهور بالكوفة بالفتوى ، والمجيب في النّوازل - فأنا قاعد عن يمينه في بعض الأيّام إذ سئل عن مسألة أجاب فيها ، وقال : هكذا قال أبو حنيفة ، فقلت له : قد وهمت في الجواب في هذه المسألة ، والجواب من قول الرجل كذا وكذا ، وهذه المسألة تحتها المسألة الفلانيّة ، وفوقها المسألة الفلانيّة في الكتاب الفلانيّ . فأمر محمّد بن الحسن بالكتاب فأحضر ، فتصفّحه ، ونظر فيه ، فوجد القول كما قلت ، فرجع عن جوابه إلى ما قلت ، ولم يخرج إليّ كتابا .

--> ( 1 ) الدرج : الذي يكتب فيه .